مدارس أمريكية تختبر مستقبل التعليم بالروبوتات البشرية والذكاء الاصطناعي
«سالي»..أول روبوت بشري يدخل الفصل الدراسي
خاص- نبض التعليم
دخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في مسيرته داخل المدارس، بعدما انتقل من مجرد تطبيقات وبرامج تعمل على الشاشات إلى روبوتات بشرية تتفاعل مباشرة مع الطلبة داخل الفصول الدراسية، في خطوة قد تعيد رسم ملامح العملية التعليمية خلال السنوات المقبلة.
وفي سابقة تعد من الأولى من نوعها في الولايات المتحدة، أعلنت منطقة سالامانكا التعليمية المركزية في ولاية نيويورك، الواقعة ضمن أراضي أمة سينيكا، عن إدخال روبوت بشري يعمل بالذكاء الاصطناعي يحمل اسم «سالي» (Sally) إلى الفصول الدراسية اعتباراً من سبتمبر المقبل، ليعمل مساعداً تعليمياً في مقررات البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي لطلبة الصفين الحادي عشر والثاني عشر، مع تأكيد المسؤولين أنه لن يحل محل المعلم، وإنما سيعمل إلى جانبه بوصفه أداة تعليمية داعمة.
من الشاشة إلى الفصل
يمثل المشروع تحولاً لافتاً في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمية، إذ لم يعد دوره مقتصراً على إنتاج النصوص أو الإجابة عن الأسئلة أو دعم التعلم الإلكتروني، بل أصبح حاضراً داخل قاعة الدرس في هيئة روبوت بشري قادر على التفاعل مع الطلبة والمعلمين بصورة مباشرة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتسابق فيه الأنظمة التعليمية حول العالم لإعادة صياغة علاقتها مع الذكاء الاصطناعي، بعد أن أصبح جزءاً أساسياً من مستقبل التعليم وسوق العمل، وهو ما يدفع المدارس إلى الانتقال من سياسة الحظر إلى سياسة التوظيف المنظم والمسؤول لهذه التقنيات.
«سالي».. مساعد تعليمي لا معلم بديل
الروبوت الجديد طورته شركة Realbotix، ويتميز بمظهر بشري واقعي، إذ يمتلك وجهاً معبراً، وبشرة صناعية، وشعراً بنياً، كما يستطيع تحريك الرأس والذراعين واليدين والتفاعل صوتياً مع الطلبة، بينما يبقى ثابتاً في مكانه لعدم امتلاكه القدرة على المشي. وتبلغ تكلفة النموذج المستخدم في المدرسة نحو 57 ألف دولار.
وأكدت إدارة المنطقة التعليمية أن «سالي» لن تكون بديلاً عن المعلم، بل ستعمل بوصفها أداة مساندة داخل الفصل، تساعد في تعزيز التفاعل، وشرح المفاهيم، وإثارة فضول الطلبة تجاه البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي.
وقال المشرف العام على المنطقة التعليمية، الدكتور مارك بيلر، إن المشروع لا يستهدف استبدال العنصر البشري، بل يهدف إلى إعداد الطلبة للتعامل مع التقنيات التي ستشكل مستقبل الوظائف، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً داخل المدارس، وأن مسؤولية المؤسسات التعليمية تتمثل في تعليم الطلبة كيفية استخدامه بصورة صحيحة، بدلاً من تجاهله أو الاكتفاء بمنعه.
يدفع الطالب إلى التفكير
ومن أبرز ما يميز الروبوت أنه لا يقدم الإجابات الجاهزة، بل يعتمد أسلوب طرح الأسئلة وتوجيه الطلبة نحو التفكير والتحليل، بما يعزز الفهم بدلاً من التلقين.
وسيقتصر استخدامه في المرحلة الأولى على مقررات البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي ضمن مناهج Woz Ed STEAM المطورة بالتعاون مع ستيف وزنياك، الشريك المؤسس لشركة أبل، مع إمكانية توسيع التجربة إلى مقررات أخرى إذا أثبت المشروع نجاحه.
خصوصية وأمان
وأولت المنطقة التعليمية اهتماماً كبيراً بحماية بيانات الطلبة، إذ يعمل الروبوت ضمن نظام مغلق غير متصل بالإنترنت، ولا يقوم بتسجيل الصوت أو الفيديو أو جمع المعلومات الشخصية أو إرسال أي بيانات إلى الشركة المطورة.
كما جرى تزويده بضوابط تمنع تقديم معلومات مضللة، حيث صُمم ليعترف بعدم المعرفة عند الحاجة بدلاً من اختلاق إجابات غير دقيقة، وهي إحدى أبرز المشكلات المعروفة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
نقاش عالمي حول مستقبل التعليم
ورغم الترحيب الذي لقيته المبادرة من مؤيدين يرون فيها خطوة استباقية لإعداد الطلبة لوظائف المستقبل، فإنها أثارت أيضاً تساؤلات واسعة بشأن حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي داخل المدارس، ومدى تأثيره في العلاقة الإنسانية بين المعلم والطالب، ومخاطر زيادة الاعتماد على الشاشات والتقنيات الرقمية.
في المقابل، يرى خبراء في تكنولوجيا التعليم أن تجاهل الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً واقعياً، وأن التحدي الحقيقي يكمن في توظيفه تحت إشراف المعلم، وبما يحافظ على التفكير النقدي والتفاعل الإنساني، بدلاً من السماح له بأن يصبح بديلاً عن العملية التعليمية نفسها.
بداية مرحلة جديدة
ويعد مشروع «سالي» مؤشراً على دخول التعليم العالمي مرحلة جديدة، تنتقل فيها الروبوتات البشرية من مختبرات التطوير إلى الفصول الدراسية، لتعمل جنباً إلى جنب مع المعلمين، وتدعم الطلبة في اكتساب مهارات البرمجة والذكاء الاصطناعي والابتكار.
وبينما تؤكد المدرسة أن الروبوت لن يحل محل المعلم، فإن التجربة تفتح الباب أمام سؤال أكبر يشغل أنظمة التعليم حول العالم: كيف سيبدو الفصل الدراسي خلال العقد المقبل عندما يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً دائماً في عملية التعليم؟






