
لسنوات، ارتبط تطوير التعليم بزيادة حضور التكنولوجيا داخل الصفوف؛ مزيد من الأجهزة، ومزيد من المنصات، ومزيد من المحتوى الرقمي. وكان الافتراض شبه السائد أن المدرسة الأكثر رقمنة هي بالضرورة الأكثر تقدماً. لكن نتائج التجربة التي نفذتها وزارة التربية والتعليم تطرح سؤالاً يستحق التوقف: هل كل زيادة في استخدام التكنولوجيا تعني بالضرورة تعلماً أفضل؟
المؤشرات الأولية التي أظهرت تحسناً في الأداء الأكاديمي، خصوصاً في الرياضيات والعلوم واللغة العربية، إلى جانب ارتفاع التركيز والانضباط في الصفوف غير الرقمية، لا تعني أن التكنولوجيا فشلت، ولا أنها يجب أن تغادر المدرسة. لكنها تقدم رسالة أكثر نضجاً: التقنية وسيلة تعليم وليست معياراً لجودة التعليم في حد ذاتها.
وهنا تكتسب خطوة توسيع المشروع ليشمل نحو 21 ألف طالب وطالبة في الصف السادس أهمية خاصة؛ لأنها تنقل النقاش من سؤال «هل نستخدم التكنولوجيا؟» إلى سؤال أكثر دقة: متى نستخدمها؟ ولماذا؟ وكم يحتاج الطالب منها؟
فالطفل يحتاج إلى الشاشة عندما تضيف إلى تعلمه شيئاً لا يستطيع النشاط التقليدي تقديمه بالكفاءة نفسها، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يكتب بيده، ويقرأ بتركيز، ويحسب، ويناقش زملاءه، وينظر إلى معلمه، ويشرح فكرته، ويخطئ ثم يحاول مجدداً. هذه الممارسات البسيطة هي التي تبني كثيراً من المهارات التي لا ينبغي أن تذوب وسط الاندفاع الرقمي.
المشكلة إذن ليست في الجهاز، وإنما في الاستخدام التلقائي للجهاز. عندما تتحول الشاشة إلى الوسيط الافتراضي لكل درس ونشاط وواجب، قد نكون قد استبدلنا أداة بأخرى من دون أن نسأل إن كانت تحقق تعلماً أفضل. وليس كل ما يمكن رقمنته ينبغي بالضرورة رقمنته.
ويصبح الأمر أكثر أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى حياة الطلبة. فالأدوات الرقمية أصبحت قادرة على البحث والتلخيص والكتابة والحساب واقتراح الإجابات خلال ثوانٍ، ما يجعل المدرسة أمام مسؤولية مضاعفة في حماية المهارات التي يجب أن يمتلكها الطالب بنفسه. قبل أن نمنحه أداة تفكر معه، علينا أن نتأكد من أنه تعلم كيف يفكر من دونها.
وهذا لا يعني العودة إلى مدرسة ما قبل التكنولوجيا. المطلوب ليس الاختيار بين الكتاب والجهاز، ولا بين الورقة والشاشة، وإنما بناء نموذج يعرف القيمة التعليمية لكل منهما. قد تكون المنصة الرقمية أكثر فاعلية في المحاكاة والتخصيص والوصول إلى المصادر، بينما تكون الورقة أو المناقشة المباشرة أو النشاط العملي أفضل في موقف آخر.
كما ينبغي التعامل مع النتائج الأولية باعتبارها بداية للتعلم من التجربة، لا حكماً نهائياً على التعليم الرقمي. فالتوسع إلى 21 ألف طالب يوفر فرصة أوسع لمعرفة أين تتحسن النتائج، وأي مهارات تتأثر، وما الفروق بين المواد والطلبة وأنماط التدريس، ثم بناء القرارات على الأدلة.
وفي النهاية، لا ينبغي أن نقيس حداثة المدرسة بعدد الشاشات الموجودة فيها، كما لا نقيس جودة التعليم بعدد الكتب على الطاولات. المقياس الحقيقي هو ما يحدث في عقل الطالب: هل يفهم أكثر؟ هل يركز؟ هل يقرأ ويكتب ويحلل ويتواصل بصورة أفضل؟ وهل يستطيع استخدام التكنولوجيا من دون أن يفقد قدرته على العمل بعيداً عنها؟
المدرسة الذكية ليست التي تستخدم التكنولوجيا في كل شيء، بل التي تعرف متى تستخدمها.. ومتى تطلب من الطالب أن يغلق الشاشة ويبدأ التفكير.



