بدأ العام الدراسي الجديد، وعادت معه الحافلات إلى الطرق، والطلبة إلى مقاعدهم، والمعلمون إلى فصولهم، لكن العودة الحقيقية لا ينبغي أن تكون مجرد استئناف للجدول الدراسي بعد إجازة طويلة؛ بل بداية جديدة تراجع فيها المدرسة ما تقدمه للطالب، وكيف تقدمه، والأهم: ماذا تريد أن تصنع منه؟
فكل عام دراسي يحمل معه كتباً جديدة وجداول وخططاً واختبارات، لكن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد الحصص التي أُنجزت ولا الصفحات التي انتهى المعلم من شرحها، وإنما بما أضافه العام إلى عقل الطالب وشخصيته وقدرته على مواجهة الحياة. المدرسة الناجحة ليست التي يصل فيها الجميع في الموعد فقط، بل التي يعرف فيها الطالب لماذا يتعلم، ويشعر بأن وجوده داخل الصف يصنع فارقاً في مستقبله.
والعام الدراسي 2026-2027 يأتي في وقت تتغير فيه أدوات المعرفة بسرعة غير مسبوقة. الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف التعلم، وسوق العمل يعيد ترتيب المهارات، والمعلومة لم تعد حكراً على كتاب أو معلم أو قاعة دراسية. لذلك لم يعد ممكناً أن تبقى المدرسة أسيرة نموذج يقوم على التلقين والحفظ واستعادة الإجابة في الاختبار، بينما يستطيع الطالب الوصول إلى آلاف الإجابات خلال ثوانٍ.
المطلوب اليوم أن نعلمه كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يحلل ويختار ويختلف ويحاور، وكيف يستخدم التكنولوجيا من دون أن يصبح تابعاً لها. نحتاج إلى طالب يمتلك المعرفة، لكننا نحتاج أكثر إلى عقل يعرف ماذا يفعل بهذه المعرفة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تدفعنا التكنولوجيا إلى إغفال أساسيات لا تقل أهمية: معلم حاضر ومؤثر، وانضباط يحمي زمن التعلم، وأسرة شريكة، ومدرسة آمنة، وقراءة وكتابة وحساب راسخة، وقيم تجعل المعرفة قوة للبناء لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة.
وهنا تقع المسؤولية على الجميع. الطالب مسؤول عن فرصته، والمعلم عن أثره، والأسرة عن شراكتها، والإدارة المدرسية عن جودة البيئة التي تصنعها، والمنظومة التعليمية عن ضمان ألا يتحول التطوير إلى قرارات وأدلة جميلة لا يشعر بها الطالب داخل الفصل.
ولا ينبغي أن نخشى وجود ملاحظات أو تحديات مع البداية؛ فالمنظومات الكبيرة لا تقاس بغياب المشكلات، وإنما بقدرتها على رصدها مبكراً وتصحيحها سريعاً. وما يحتاجه الميدان في الأسابيع الأولى هو الاستماع بقدر ما يحتاج إلى المتابعة، والمرونة بقدر ما يحتاج إلى الانضباط.
ومع جرس الحصة الأولى، يبدأ العد الحقيقي لعام جديد من عمر أبنائنا. وكل يوم يمر ليس رقماً في التقويم، بل فرصة قد تبني مهارة، أو تكتشف موهبة، أو تعيد الثقة إلى طالب، أو تفتح أمامه طريقاً لم يكن يراه. الرسالة في بداية العام بسيطة: لا نريد عاماً تنتهي فيه المناهج فقط؛ نريد عاماً يبدأ فيه المستقبل.


