مقال رأيمقالات

المعلم والعام الدراسي الجديد

التربوية سارة مصطفى

حين تتصدر الذكاء الاصطناعي وفجوات التعلّم والتقييم وأصالة الواجبات أجندة المعلم في عام دراسي جديد، فنحن لا نتحدث عن قائمة إضافية من المهام، بل عن تحول عميق في مهنة التعليم نفسها. فالمعلم الذي كان يُنتظر منه في الأساس شرح المنهج وإدارة الصف وتصحيح الاختبارات، أصبح مطالباً اليوم بتشخيص مستويات الطلبة، وتحليل البيانات، وتخصيص التعلم، وضبط التكنولوجيا، والتحقق من أصالة الأعمال، والتواصل مع الأسرة، ومراعاة الفروق الفردية، ومواصلة تطوير نفسه مهنياً.

ثلاث عشرة أولوية على طاولة المعلم تبدو كثيرة، لكنها تكشف حقيقة التعليم اليوم: الصف أصبح أكثر تعقيداً، والطالب تغير، وأدوات المعرفة تغيرت، وبالتالي لا يمكن أن يبقى دور المعلم كما كان.

ولعل البداية الصحيحة ليست من الكتاب، وإنما من الطالب. فالمنهج يخبر المعلم بما ينبغي تدريسه، لكن التشخيص يخبره بما يحتاج الطالب فعلياً إلى تعلمه. وهذه مسافة فارقة؛ لأن وجود 25 طالباً في صف واحد لا يعني وجود 25 مستوى متطابقاً. بعضهم يبدأ العام متقدماً، وبعضهم في المستوى المتوقع، وآخر يحمل فجوات تراكمت من سنوات سابقة. والمعلم الناجح ليس من يصل إلى الصفحة الأخيرة أولاً، بل من يعرف من تعلّم، ومن لم يتعلم، ولماذا؟

ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليضيف تحدياً غير مسبوق. فلم يعد السؤال ما إذا كان الطالب سيستخدمه، وإنما كيف يستخدمه، وما الذي يبقى من عمله الفكري بعد استخدامه. وهنا لن يكون الحل في مطاردة الأدوات أو الدخول في سباق لكشف النصوص المولدة آلياً، بل في إعادة تصميم التعلم نفسه؛ مزيد من النقاش، والتطبيق، والعروض الشفوية، وشرح خطوات التفكير، والدفاع عن النتائج.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج إجابة جيدة خلال ثوانٍ، لكنه يجعل مهمة المعلم أكثر أهمية في تعليم الطالب كيف يصل إلى الإجابة، وكيف يتحقق منها، وكيف ينتقدها، ومتى يرفضها.

ومع كل هذه المسؤوليات، يظهر خطر آخر: أن نطالب المعلم بأن يكون معلماً ومحلل بيانات ومراقباً رقمياً ومرشداً ومنسقاً ومعداً للتقارير، ثم نستغرب تراجع الوقت المتاح له للتخطيط والتدريس. لا يمكن تحسين جودة التعليم بإضافة مهمة جديدة إلى المعلم مع كل تطوير جديد.

لذلك، فإن مسؤولية المدرسة لا تقل عن مسؤولية المعلم. إذا أردنا منه حصة أفضل، فعلينا أن نحمي الوقت الذي يصنع فيه هذه الحصة. وإذا طالبناه بتحليل البيانات، فعلينا توفير أدوات تختصر العمل. وإذا أردناه متطوراً مهنياً، فيجب أن يكون التدريب مرتبطاً باحتياجات صفه، لا مجرد ساعات تُضاف إلى سجله.

وهنا يصبح رفاه المعلم قضية جودة تعليمية، لا امتيازاً وظيفياً. فالمعلم المستنزف قد يستطيع إنهاء المنهج، لكنه سيجد صعوبة أكبر في ملاحظة طالب صامت يحتاج إلى تدخل، أو ابتكار نشاط مختلف، أو تقديم تغذية راجعة دقيقة، أو منح كل طالب الاهتمام الذي يستحقه.

ورغم كل ما تحمله التكنولوجيا من إمكانات، يبقى هناك شيء لا تستطيع الآلة أن تؤديه: أن تنظر إلى طالب وتدرك أنه لم يفهم رغم أنه لم يسأل، أو تعيد إليه ثقته بعد إخفاق، أو تكتشف موهبة لم تظهر في اختبار.

وهذه ربما أهم رسالة في عام الذكاء الاصطناعي: كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر ذكاءً، أصبح احتياج التعليم إلى معلم إنسان أكثر كفاءة وتأثيراً أكبر، لا أقل.

فالمستقبل لن يلغي المعلم، لكنه سيعيد تعريفه؛ ولن يكون السؤال كم درساً شرح، بل كم طالباً استطاع أن يصل إليه، وكم عقلاً علّمه أن يفكر بنفسه.

nibrassara166@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى