
إلغاء الواجبات المدرسية عن أطفال رياض الأطفال وطلبة الصفين الأول والثاني قد يبدو، في القراءة الأولى، قراراً يخفف عبئاً عن الطفل والأسرة. لكن جوهره التربوي أعمق من ذلك؛ لأنه يعيد طرح سؤال ظل حاضراً طويلاً في التعليم المبكر: أين يجب أن يحدث التعلم الحقيقي.. داخل الفصل أم على طاولة المنزل؟
حين يعود طفل في السادسة أو السابعة من عمره بعد يوم دراسي طويل ليبدأ «دواماً ثانياً» بين دفاتر وواجبات ومراجعات، تصبح الحدود بين المدرسة والمنزل شبه غائبة. وقد تتحول الأسرة تدريجياً إلى معلم مساعد، ويتحول وقت الطفل بعد المدرسة إلى امتداد إلزامي للحصة، بينما تحتاج هذه المرحلة العمرية إلى النوم واللعب والحركة والحديث مع الأسرة والاكتشاف بقدر حاجتها إلى القراءة والكتابة والحساب.
لذلك، فإن عبارة «لا واجبات» لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها «تعليماً أقل». على العكس، القرار يضع المدرسة والمعلم أمام مسؤولية أكبر؛ فما كان يمكن استكماله في المنزل يجب أن يجد مساحته داخل اليوم الدراسي، وما كان ولي الأمر يراجعه مساءً ينبغي أن يكون المعلم قادراً على قياسه ومتابعته أثناء الحصة.
وهنا يصبح نجاح القرار مرتبطاً بجودة الحصة نفسها. فإذا لم يحصل الطفل على الوقت الكافي للقراءة والكتابة والحساب والممارسة والتغذية الراجعة، فإن حذف الواجب لن يعالج المشكلة. أما إذا تحولت الحصة إلى مساحة حقيقية للتفاعل والتجربة والتعلم باللعب واكتشاف الفروق الفردية والتدخل المبكر، فإننا نكون أمام تحول في فلسفة التعليم، لا مجرد حذف بند من الجدول اليومي.
والقرار يحمل كذلك بعداً مهماً يتعلق بالعدالة التعليمية. فالواجب الذي ينتقل إلى المنزل لا ينجزه جميع الأطفال في الظروف نفسها؛ طفل يجد أحد والديه إلى جواره، وآخر يستعين بمعلم خاص، وثالث قد لا يجد من يستطيع متابعته. وكلما أصبحت عملية بناء المهارات الأساسية مسؤولية المدرسة بصورة أكبر، تقل مساحة التفاوت التي قد تفرضها الظروف الأسرية خارجها.
لكن إعادة المنزل إلى الطفل لا تعني إخراج الأسرة من التعليم. المطلوب فقط تغيير طبيعة دورها؛ من مراقبة الدفاتر إلى صناعة الخبرات. قراءة قصة مع الطفل، أو الحديث معه، أو ممارسة لعبة، أو زيارة مكان جديد، أو إشراكه في ترتيب مشتريات بسيطة، قد تبني لغة وحساباً وفضولاً واستقلالية بطريقة أكثر طبيعية من ورقة تدريبات إضافية.
وهنا ينبغي ألا نستبدل الواجب المدرسي بواجب منزلي مقنّع تحت أسماء أخرى. فإذا ألغينا الدفتر ثم حمّلنا الطفل سلسلة من الأنشطة الإلزامية والمنصات الرقمية والمشروعات اليومية، نكون قد غيرنا الشكل وأبقينا الضغط نفسه.
في السنوات التأسيسية تحديداً، لا ينبغي أن يكون الهدف صناعة طفل ينجز أكبر عدد من الأوراق، وإنما طفل يحب أن يتعلم. فالمهارة التي تُبنى جيداً في هذه السنوات قد ترافقه طوال مسيرته، وكذلك النفور من التعلم إذا بدأ مبكراً.
والاختبار الحقيقي للقرار لن يكون في عدد الواجبات التي اختفت من حقائب الطلبة، بل فيما إذا أصبحت الحصة أكثر جودة، والمعلم أكثر قدرة على اكتشاف التعثر، والطفل أكثر إقبالاً على المدرسة، والأسرة أكثر قدرة على استعادة وقتها الطبيعي معه.
فالنجاح ليس أن يعود الطفل إلى المنزل بلا دفاتر فقط؛ بل أن يعود وقد تعلّم جيداً داخل مدرسته، ومازال لديه وقت ليعيش طفولته.

