مقال رأيمقالات

بداية بلا صدمة

محمد إبراهيم

أن يعود أكثر من مليون طالب إلى مدارسهم لا يعني مجرد فتح البوابات وبدء الحصص؛ فاليوم الأول في أي عام دراسي يمثل انتقالاً مفاجئاً من إيقاع الإجازة إلى نظام تحكمه مواعيد واستيقاظ مبكر وحضور وانضباط وحصص والتزامات. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة العودة التدريجية للطلبة والدوام المخفف في الأيام الأربعة الأولى باعتبارهما محاولة لجعل البداية مرحلة انتقال منظمة، لا صدمة تشغيلية وتعليمية.

وجود سيناريوهين أمام المدارس، مع مرونة في توزيع حضور الصفوف وزيادة أيام وجود الطلبة وفق الاحتياجات، يعكس تحولاً مهماً في إدارة البداية؛ فليست جميع المدارس متشابهة في أعداد طلبتها أو مبانيها أو حركة بواباتها أو احتياجات النقل فيها، وبالتالي فإن فرض نموذج واحد على الجميع قد يحقق توحيداً على الورق، لكنه لا يضمن بالضرورة الكفاءة في الميدان.

والأهم أن الدوام المخفف لا ينبغي فهمه باعتباره ساعات تعليم ضائعة. فالأيام الأولى تؤدي وظيفة مختلفة؛ خلالها يتعرف الطالب المستجد إلى مدرسته وصفه ومعلميه، وتُختبر الجداول والقوائم والمنصات، وتُضبط حركة الدخول والانصراف، وتظهر الاحتياجات الفعلية للكتب والنقل، وتُعالج الفجوات قبل الانتقال إلى التشغيل الكامل.

وهنا تحديداً تكمن قيمة التدرج: اكتشاف المشكلة عندما يكون عدد الطلبة أقل، بدلاً من اكتشافها في يوم تعمل فيه المدرسة بكامل طاقتها.

لكن المرونة تحتاج في المقابل إلى وضوح شديد. وجود أكثر من سيناريو، واختلاف أيام حضور الصفوف ومواعيد الدوام، يمكن أن يتحول إلى مصدر ارتباك إذا لم تصل المعلومة إلى الأسرة مبكراً وبصورة دقيقة. لذلك يصبح التواصل جزءاً من نجاح الخطة، وليس إجراءً مكملاً لها. ولي الأمر يجب أن يعرف متى يحضر ابنه، ومتى ينصرف، وأي جدول تطبقه مدرسته، وما إذا كان النقل متاحاً، ومتى يبدأ الانتظام الكامل.

كما أن العودة التدريجية تحمل بعداً تربوياً لا يقل أهمية عن بعدها التشغيلي. فبعد إجازة طويلة، يحتاج بعض الطلبة، خصوصاً الأصغر سناً والمستجدين، إلى استعادة روتين المدرسة تدريجياً. والبداية الإيجابية قد تحدد جانباً مهماً من علاقة الطفل بمدرسته خلال الأسابيع التالية، لذلك لا ينبغي استنزاف الأيام الأولى في التعليمات والإجراءات فقط، بل استثمارها في إعادة بناء الدافعية والانتماء والاستعداد للتعلم.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول «البداية المرنة» إلى تراخٍ في الانضباط. فالدوام مخفف، لكن قواعد الحضور والسلوك واحترام الوقت تبدأ منذ اليوم الأول. التدرج في العودة لا يعني التدرج في الجدية.

ولعل أهم ما في الخطة أنها لا تنتهي بخروج الطلبة في اليوم الرابع، بل تمتد إلى قياس رضاهم ورضا أولياء الأمور والاستفادة من التغذية الراجعة. وهذه خطوة تستحق أن تؤخذ بجدية؛ لأن الخطط التعليمية تتحسن عندما يُقاس أثرها في الميدان، لا عندما يُكتفى بإثبات تنفيذها.

فالهدف في النهاية ليس نجاح «أسبوع العودة» كفعالية، وإنما أن يؤدي وظيفته الحقيقية: أن يمهد لعام دراسي أكثر استقراراً منذ بدايته.

البدايات الجيدة لا تحتاج دائماً إلى السرعة؛ أحياناً تحتاج إلى تدرج محسوب يكتشف الخلل مبكراً، ويمنح الطالب فرصة لاستعادة إيقاعه، ثم يضع المدرسة بكامل طاقتها على مسار عام طويل.

Moh.ibrahim71@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى