أن تبدأ وزارة التربية والتعليم تقييماً شاملاً للمدارس الحكومية والخاصة يمتد عامين، فالمسألة تتجاوز زيارة فريق تقييم أو منح المدرسة حكماً على مستوى أدائها. القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في سؤال أكثر أهمية: ماذا يحدث للطالب داخل المدرسة كل يوم، وهل يحصل فعلاً على جودة التعليم التي يفترض أن تقدمها؟
التقييم في جوهره ليس غاية، بل أداة تشخيص. فهو يشبه المرآة التي تحتاج إليها المؤسسة لترى نفسها بعيداً عن التقارير الداخلية والانطباعات. أين تتفوق؟ وأين تتراجع؟ وهل القيادة المدرسية فاعلة؟ وهل التدريس داخل الصف يحقق تعلماً حقيقياً؟ وهل نتائج الطلبة تعكس قدراتهم؟ وهل تتم معالجة الفجوات أم ترحيلها من عام إلى آخر؟
واللافت في المشروع شموله المدارس الحكومية والخاصة المرخصة من الوزارة، بما يعزز فكرة أن الجودة لا ينبغي أن تختلف باختلاف نوع المدرسة. فالطالب في النهاية يستحق معياراً واضحاً للتعليم الجيد، سواء جلس في فصل بمدرسة حكومية أو خاصة، كما أن الأسرة تحتاج إلى الاطمئنان إلى أن المؤسسة التي يتعلم فيها أبناؤها تخضع لمقياس موضوعي يحدد نقاط قوتها وما تحتاج إليه من تطوير.
لكن التحدي الأكبر يبدأ عندما يدخل التقييم إلى المدرسة. فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول إلى «موسم جاهزية»؛ تتغير فيه الممارسات قبيل الزيارة، وتُرتب الملفات، وتُكثف المتابعات، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها بعد مغادرة فريق التقييم.
المعيار الحقيقي هو الحصة العادية في يوم عادي، عندما لا يوجد مقيم داخل الفصل. كيف يشرح المعلم؟ كم طالباً يشارك؟ هل يعرف المعلم مستويات طلبته؟ ماذا يفعل مع المتعثر؟ هل يتحدى المتفوق؟ هل تستخدم التكنولوجيا لخدمة التعلم أم لمجرد إثبات وجودها؟ وهل يشعر الطالب بالأمان والانتماء والرغبة في التعلم؟
ولهذا فإن امتداد المشروع عامين يمكن أن يكون نقطة قوة إذا استُثمر في بناء صورة عميقة للأداء، بدلاً من اختزال المدرسة في لقطة زمنية واحدة. فالتحسين الحقيقي يحتاج إلى تشخيص، ثم خطة، ومتابعة، ووقت كافٍ لقياس أثر التدخلات.
والأهم هو ما بعد النتيجة. معرفة أن مدرسة لديها فجوة في التدريس أو القيادة أو التحصيل لا تكفي. السؤال: ماذا سيحدث بعدها؟ التقييم الذي ينتهي بتقرير يُحفظ في ملف يضيف معرفة، لكنه لا يغير التعليم. أما التقييم الذي يقود إلى دعم وتدريب ومتابعة ومساءلة وقياس جديد للأثر، فيتحول إلى أداة تطوير حقيقية.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول التقييم إلى ضغط يدفع المدارس والمعلمين إلى العمل من أجل المؤشر بدلاً من الطالب. فحين يصبح الحصول على نتيجة مرتفعة هو الهدف، قد تنشغل المؤسسة بتحسين صورتها أكثر من تحسين ممارساتها. المؤشرات مهمة، لكنها وسيلة؛ والطالب هو الغاية.
كما أن العدالة في التقييم تستوجب قراءة النتائج في سياق كل مدرسة؛ فالمؤسسات تختلف في تركيبة طلبتها واحتياجاتهم والتحديات التي تواجهها. والإنصاف لا يعني تخفيض سقف الجودة، وإنما فهم نقطة البداية وقياس قدرة المدرسة على إحداث تقدم حقيقي لدى طلبتها.
بعد عامين، لن تكون القيمة الأهم للمشروع في عدد المدارس التي تم تقييمها، ولا في حجم التقارير التي صدرت، بل في الإجابة عن سؤال واحد: هل أصبحت المدارس أفضل مما كانت عليه قبل التقييم؟
فإذا تغيرت جودة الحصة، وتحسن تعلم الطالب، وعولجت الفجوات، وتطورت القيادة والممارسات، يكون التقييم قد أدى وظيفته. أما إذا تغيرت التقارير وبقي الصف كما هو، فنكون قد قِسنا الجودة.. ولم نصنعها.


