مقال رأيمقالات

الطريق إلى المدرسة

خلود محمد

عندما يختار أكثر من نصف أولياء الأمور الحافلة المدرسية لنقل أبنائهم، وفق استطلاع شارك فيه نحو 4000 شخص، فإن الرقم لا يتحدث عن وسيلة انتقال فقط، بل يكشف جانباً مهماً من معادلة الأسرة اليومية مع المدرسة؛ معادلة تتداخل فيها السلامة والكلفة والوقت والازدحام والقدرة على التوفيق بين دوام الأبناء والتزامات الوالدين.

اختيار 52% للحافلة، مقابل 35% لسيارة الأسرة، يؤكد أن النقل الجماعي المنظم يمتلك أفضلية واضحة، والأسباب مفهومة؛ فالحافلة تعفي الأسرة من رحلتي توصيل واستلام يوميتين، وتوفر مساراً منظماً للطالب، وتمنح الوالدين، خصوصاً العاملين، مساحة أكبر لإدارة يومهما.

لكن الرقم يحمل في داخله سؤالاً آخر: إذا كانت الحافلة الخيار المفضل، فلماذا لا يستخدمها عدد أكبر من الطلبة؟ الإجابة تظهر في مداخلات الأسر نفسها. فالثقة بالخدمة تقابلها شكوى من الرسوم، والراحة قد يقابلها طول زمن الرحلة، والمسار المنظم قد لا يناسب موقع سكن الطالب أو مواعيد أسرته. وهنا تتحول سيارة الأسرة، رغم كلفتها الزمنية والمرورية، إلى بديل تراه بعض الأسر أكثر مرونة أو أقل كلفة، خصوصاً عند وجود أكثر من طفل.

وهذه النقطة تستحق قراءة أوسع؛ لأن فاتورة النقل المدرسي لا تُحسب بالدرهم وحده. ولي الأمر الذي يقود يومياً إلى المدرسة قد يوفر رسوم الحافلة، لكنه يدفع وقوداً ووقتاً وجهداً، ويواجه ازدحاماً مرتين يومياً. وفي المقابل، الأسرة التي تختار الحافلة تدفع رسماً مباشراً مقابل استعادة جزء من وقتها وتخفيف عبء يومي يمتد طوال العام الدراسي.

أما على مستوى المدينة، فالمعادلة أكبر. كل طالب ينتقل من سيارة خاصة إلى حافلة يعني عملياً تقليل الحاجة إلى مركبة إضافية أمام بوابة المدرسة. وعندما نتحدث عن آلاف الطلبة، يصبح النقل المدرسي جزءاً من حل الازدحام حول المدارس، وليس مجرد خدمة تقدم للطالب.

لكن زيادة الاعتماد عليه تحتاج إلى معادلة واضحة: خدمة آمنة، وكلفة مقبولة، ومسارات أكثر كفاءة، وزمن رحلة لا يجعل الطالب يقضي جزءاً مرهقاً من يومه على الطريق. فالأسر لن تختار النقل الجماعي لمجرد أنه جماعي؛ ستختاره عندما يصبح أكثر جدوى من السيارة الخاصة.

والرسالة التي يقدمها الاستطلاع واضحة: الأسر مستعدة للحافلة، لكن عليها أن تكون خياراً منافساً في الأمان والكلفة والوقت معاً. فالطريق إلى المدرسة ليس تفصيلاً يسبق الحصة الأولى؛ إنه جزء من جودة اليوم الدراسي نفسه. وكلما نجحنا في جعل هذه الرحلة أقصر وأكثر أمناً وتنظيماً، وصل الطالب إلى مقعده أكثر استعداداً للتعلم، ووصلت أسرته إلى يومها بأعباء أقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى