مع انطلاق العام الدراسي الجديد، يطرح «الميثاق الوطني للتعليم» سؤالاً يتجاوز الدرجات والاختبارات والمناهج: أي طالب نريد أن تصنعه المدرسة الإماراتية؟ فالتعليم الذي يرفع التحصيل الأكاديمي من دون أن يبني الشخصية والمهارات ينجز جزءاً من مهمته، لكنه لا يكفي لإعداد طالب قادر على التعامل مع الجامعة وسوق العمل والتحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
اختيار 6 سمات شخصية وسلوكية و7 مهارات معرفية وتطبيقية يرسم ملامح نموذج أكثر تكاملاً للطالب؛ من التنظيم الذاتي والانضباط والثقة بالنفس والعمل الجماعي والوعي الثقافي والتعلم المستمر، إلى التفكير النقدي والتواصل والإبداع والقراءة والكتابة والحساب والثقافة المالية وإتقان الذكاء الاصطناعي. والرسالة هنا واضحة: الطالب الناجح لم يعد من يعرف أكثر فحسب، بل من يعرف كيف يفكر، ويتواصل، ويبتكر، وينظم ذاته، ويوظف ما تعلمه في مواقف الحياة.
وتكمن أهمية «جواز الميثاق» في أنه يحاول إخراج هذه السمات والمهارات من دائرة الشعارات والنصوص إلى ممارسات قابلة للرصد والتوثيق. فعندما يبادر طالب إلى قيادة فريق، أو يقدم حلاً مبتكراً، أو يظهر انضباطاً ذاتياً، أو يستخدم الذكاء الاصطناعي بوعي، فإن المدرسة لا تقيس معلومة حفظها، وإنما ترصد تطوراً في شخصيته وقدراته. وهنا ينتقل التقييم من سؤال «كم حصلت؟» إلى «كيف تطورت؟»
لكن نجاح الفكرة مرهون بألا يتحول الختم إلى الهدف والجواز إلى مسابقة. فالقيمة الحقيقية ليست في عدد الأختام التي يجمعها الطالب، وإنما في السلوك الذي أصبح جزءاً من شخصيته. ومن هنا تكتسب الضوابط التي تمنع المقارنة والتصنيف بين الطلبة، وتفصل التقييم عن التحصيل الأكاديمي، أهمية كبيرة في حماية المبادرة من التحول إلى عبء إجرائي جديد.
والأهم أن بناء هذه الشخصية لا يتحقق بالتوجيه وحده. فلا يمكن مطالبة الطالب بالتفكير النقدي في بيئة لا تسمح له بالسؤال، أو بالإبداع إذا كانت الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، أو بالثقة بالنفس إذا كان يخشى الخطأ، أو بالعمل الجماعي إذا ظلت معظم تجاربه التعليمية فردية. المهارات لا تُلقّن، وإنما تُمارس، والمدرسة مطالبة بصناعة البيئة التي تمنح الطالب فرصة حقيقية لممارستها.
كما أن وضع إتقان الذكاء الاصطناعي ضمن المهارات المستهدفة يحمل رسالة مهمة؛ فالمطلوب ليس مجرد استخدام الأدوات التوليدية، وإنما القدرة على فهم حدودها، والتحقق من مخرجاتها، وحماية البيانات، والالتزام بالنزاهة الأكاديمية، ومعرفة متى تكون التقنية أداة مساعدة ومتى ينبغي أن يعمل العقل مستقلاً.
وفي نهاية العام، لن يكون السؤال الأهم: كم ختماً جمع الطالب؟ وإنما: هل أصبح أكثر استقلالاً وانضباطاً وثقة؟ هل تحسن تفكيره وتواصله؟ وهل أصبح أقدر على اتخاذ القرار والتعامل مع التكنولوجيا والمال والحياة؟
إذا امتلأ «جواز الميثاق» بالأختام فقط، تكون الإجراءات قد نجحت؛ أما إذا ترك أثراً في شخصية الطالب وسلوكه وطريقة تفكيره، فعندها يكون التعليم هو الذي نجح.
Moh.ibrahim71@yahoo.com



