مقال رأيمقالات

ما وراء الجرس

التربوية سارة مصطفى

عندما يعود الطلبة إلى مدارسهم، تبدو الصورة في ظاهرها بسيطة: بوابات تُفتح، وطلبة يدخلون، ومعلمون يتجهون إلى صفوفهم، ويُقرع جرس الحصة الأولى. لكن خلف هذه الدقائق الأولى تقف منظومة تشغيل كاملة؛ خمسة فرق تتقاسم مسؤوليات الجاهزية والأنشطة والتواصل والاستقبال والأمن والسلامة، حتى يبدأ اليوم الدراسي بأقل قدر من الارتباك.

وهنا تكمن دلالة خطة العودة. فالمدرسة الحديثة لم تعد فصلاً ومعلماً وكتاباً فقط، بل مؤسسة تحتاج إلى إدارة دقيقة لتفاصيل متشابكة تبدأ قبل وصول الطالب، ولا تنتهي بخروجه من البوابة.

وجود خمسة فرق عمل يعكس تحولاً مهماً في مفهوم الجاهزية؛ إذ لم تعد المسؤولية محصورة في مدير المدرسة أو الهيئة الإدارية، وإنما موزعة على فرق لكل منها مهمة واضحة. فريق يتأكد من الجداول والمقصف، وآخر يهيئ الأنشطة والمرافق، وثالث يدير التواصل مع الأسر، ورابع يستقبل الطلبة ويدعم المستجدين وأصحاب الهمم، وخامس يحمي حركة الدخول والخروج ويتابع إجراءات السلامة.

لكن قوة الخطة ليست في عدد الفرق، وإنما في قدرتها على العمل كفريق واحد. فلا قيمة لجدول دراسي مكتمل إذا لم يعرف الطالب صفه، ولا لاستقبال منظم إذا تعطلت البوابات، ولا لخطة نقل دقيقة إذا لم تصل البيانات إلى الأسرة، ولا لفعاليات جذابة إذا لم تكن الممرات والحركة آمنة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي في أسبوع العودة: تحويل عشرات المهام المنفصلة إلى يوم دراسي واحد متماسك لا يشعر الطالب بتعقيداته التشغيلية. فالطالب لا يعنيه كم لجنة اجتمعت، ولا كم خطة أُعدت؛ ما يعنيه أن يجد صفه، وكتابه، ومعلمه، وجدوله، وأن يشعر بالأمان منذ لحظة دخوله.

وتكتسب الأيام الأولى أهمية مضاعفة بالنسبة إلى المستجدين وطلبة رياض الأطفال والحلقة الأولى. فبطاقة تحمل اسم الطفل وبيانات التواصل، أو موظف يرشده إلى صفه، قد تبدو تفاصيل صغيرة في خطة كبيرة، لكنها بالنسبة إلى طفل يدخل المدرسة للمرة الأولى تصنع فارقاً بين بداية مطمئنة وتجربة مرتبكة.

كما أن إشراك أولياء الأمور في منظومة العودة يحمل رسالة مهمة؛ فالأسرة ليست متلقياً للتعليمات فقط، بل شريك في نجاح التشغيل، بدءاً من تحديث البيانات والالتزام بالمواعيد، وصولاً إلى التواصل الصحيح مع المدرسة.

والأهم أن فرق العودة ينبغي ألا تصبح تشكيلات مرتبطة بأسبوع احتفالي ثم ينتهي دورها. ثقافة الفريق، وسرعة الاستجابة، وتوزيع المسؤولية، والرصد اليومي، كلها ممارسات تستحق أن تستمر طوال العام.

فالمدرسة الناجحة ليست التي تستعد جيداً لقرع الجرس الأول فقط، بل التي تحافظ على الجاهزية نفسها حتى الجرس الأخير من العام الدراسي.

خلف كل بداية مدرسية تبدو هادئة، هناك عمل كثير لا يراه الطالب.. وربما يكون نجاح المدرسة الحقيقي أن تسير كل هذه التفاصيل بكفاءة من دون أن يضطر الطالب إلى رؤيتها.

nibrassara166@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى