تقرير- خلود محمد
لم تعد الحضانات في دولة الإمارات تؤدي دوراً تقليدياً يقتصر على رعاية الأطفال خلال ساعات عمل الوالدين، بل تحولت إلى مؤسسات تعليمية متخصصة تُعنى ببناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته المعرفية واللغوية والاجتماعية منذ أشهره الأولى، في إطار منظومة وطنية تعطي الطفولة المبكرة أولوية باعتبارها المرحلة الأكثر تأثيراً في تكوين الإنسان.
ويؤكد مختصون في التربية والطفولة المبكرة أن السنوات الأربع الأولى من عمر الطفل تمثل “النافذة الذهبية” لتطور الدماغ واكتساب المهارات الأساسية، وهو ما دفع الإمارات خلال السنوات الأخيرة إلى تطوير التشريعات والسياسات المنظمة للحضانات، ووضع معايير وطنية للجودة، وربط الرعاية بالتعليم المبكر، بما يضمن توفير بيئات تعليمية آمنة ومحفزة للنمو المتكامل للطفل.
من الرعاية إلى صناعة المهارات
قبل سنوات، كان كثير من أولياء الأمور ينظرون إلى الحضانة باعتبارها مكاناً آمناً يقضي فيه الطفل ساعات النهار، بينما تغير هذا المفهوم اليوم بصورة جذرية، إذ أصبحت الحضانات تقدم برامج تعليمية متكاملة تعتمد على التعلم باللعب، والاستكشاف، وتنمية الفضول، والمهارات الحياتية، بدلاً من التلقين والحفظ.
ويتعلم الطفل داخل كثير من الحضانات مهارات التواصل، والاستقلالية، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، والوعي البيئي، إضافة إلى الأنشطة الحركية والموسيقية والفنية، في بيئات تعليمية صممت خصيصاً لتناسب مراحل النمو المختلفة، بعيداً عن الأساليب الأكاديمية التقليدية.
لماذا تعد السنوات الأولى الأهم؟
يرى خبراء الطفولة المبكرة أن ما يتعلمه الطفل قبل دخوله المدرسة لا يقل أهمية عما يتعلمه داخل الصفوف الدراسية لاحقاً، لأن هذه المرحلة تشهد نمواً متسارعاً في القدرات العقلية واللغوية والانفعالية.
ويؤكدون أن الطفل لا يكتسب خلال هذه السنوات الحروف والأرقام فقط، بل يبني ثقته بنفسه، ويتعلم التعبير عن مشاعره، والتفاعل مع الآخرين، واحترام القواعد، وتنظيم وقته، وهي مهارات تشكل أساس نجاحه الأكاديمي والاجتماعي مستقبلاً.
اللعب… منهج تعليمي وليس ترفيهاً
ورغم اعتقاد بعض الأسر أن الطفل “يلعب فقط” داخل الحضانة، فإن المختصين يؤكدون أن اللعب يمثل الأداة التعليمية الأكثر فاعلية في هذه المرحلة العمرية، حيث تسهم الأنشطة الحسية والحركية والقصص والألعاب الجماعية في تنمية التفكير والإبداع واللغة والتركيز.
وتوضح دراسات الطفولة المبكرة أن الطفل يتعلم بصورة أفضل عندما يشارك بنفسه في النشاط، بدلاً من تلقي المعلومات بصورة مباشرة، وهو ما تعتمد عليه معظم المناهج الحديثة.
العربية والإنجليزية جنباً إلى جنب
وفي ظل التنوع الثقافي الذي تتميز به دولة الإمارات، تتبنى كثير من الحضانات برامج ثنائية اللغة، بما يتيح للأطفال اكتساب اللغة الإنجليزية منذ الصغر، مع المحافظة في الوقت نفسه على اللغة العربية والهوية الوطنية.
وتولي التشريعات التعليمية في دبي اهتماماً خاصاً بتعزيز اللغة العربية في مراكز الطفولة المبكرة، باعتبارها جزءاً أساسياً من بناء الهوية الثقافية للطفل.
التكنولوجيا… بحدود
دخلت التقنيات الرقمية إلى بعض الحضانات من خلال القصص التفاعلية والوسائل التعليمية الذكية والألعاب الرقمية الموجهة، إلا أن خبراء التربية يحذرون من الإفراط في استخدام الشاشات خلال السنوات الأولى، مؤكدين أن التفاعل الإنساني واللعب الحر يظلان العنصرين الأكثر تأثيراً في نمو الطفل.
وتحرص الحضانات الحديثة على تحقيق توازن بين استخدام التكنولوجيا والأنشطة الحركية والأنشطة الخارجية، بما يضمن تنمية الطفل دون تعريضه للإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية.
معايير جودة أكثر صرامة
شهد قطاع الحضانات في الإمارات خلال السنوات الأخيرة تطوراً تشريعياً ملحوظاً، مع صدور قوانين وأطر تنظيمية تنظم الترخيص، وجودة الخدمات، والمناهج، وحماية الطفل، وتأهيل الكوادر العاملة، بما يعزز جودة التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة. كما اعتمدت دبي إطاراً متكاملاً لجودة خدمات الطفولة المبكرة، إلى جانب متطلبات خاصة بالمناهج وإجراءات قبول الأطفال في المراكز.
كيف يختار ولي الأمر الحضانة؟
ويؤكد خبراء التربية أن اختيار الحضانة لا ينبغي أن يعتمد على قربها من المنزل أو قيمة الرسوم فقط، بل على جودة البيئة التعليمية، وعدد الأطفال في كل مجموعة، ومؤهلات المعلمات، ومستوى السلامة، وطبيعة الأنشطة، ومدى التواصل مع الأسرة، إضافة إلى قدرة الحضانة على اكتشاف احتياجات الطفل وتنمية مهاراته.
كما ينصحون بزيارة الحضانة قبل التسجيل، ومراقبة تفاعل الأطفال مع المعلمات، والاطلاع على البرنامج اليومي، وسياسات الحماية، وخطط التعامل مع الحالات الصحية والطوارئ.
الأسرة… الشريك الأول
ويجمع المختصون على أن نجاح برامج الطفولة المبكرة لا يعتمد على الحضانة وحدها، بل على الشراكة المستمرة مع الأسرة، من خلال توحيد أساليب التربية، وتشجيع القراءة اليومية، وتقليل وقت استخدام الشاشات، وإتاحة الفرصة للطفل للعب والاستكشاف داخل المنزل.
ويرون أن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ قبل أول يوم دراسي، عندما يحصل الطفل على بيئة غنية بالتفاعل واللغة واللعب، لأن ما يكتسبه في سنواته الأولى ينعكس على شخصيته وقدرته على التعلم طوال حياته.
7 مؤشرات لاختيار حضانة متميزة
- ترخيص رسمي وجهة رقابية معتمدة.
- كوادر مؤهلة ومتخصصة في الطفولة المبكرة.
- بيئة آمنة وصديقة للطفل.
- برنامج تعليمي قائم على اللعب والاستكشاف.
- اهتمام باللغة العربية إلى جانب اللغات الأخرى.
- تواصل دوري مع أولياء الأمور.
- تطبيق سياسات حماية الطفل والصحة والسلامة.


